نقص إمدادات الكهرباء من الصين إلى أوروبا .. هل تكون الطاقة محور الأزمة القادمة؟

أزمة طاقة متفاقمة تضرب كثيرًا من دول العالم، من أوروبا لآسيا للدرجة التي اضطرت العائلات في الصين إلى استخدام ضوء الشموع للإنارة تزامناً مع توقف الكثير من المصانع عن العمل ومنع استخدام المصاعد الكهربائية في الأبراج السكنية ونصائح بتخفيف استخدام الأجهزة الإلكترونية لتقليل الاستهلاك الكهربائي بالتزامن مع سياسة توزيع الأحمال وتنظيم الانقطاعات الكهربائية عن مناطق لصالح أخرى.

 

السكان في المقاطعات الشمالية من الصين يعانون بالفعل من انقطاعات التيار الكهربائي، وحتى إشارات المرور انطفأت وتسبب ذلك في فوضى على الطرق، وفي مقاطعة "جواندونج" الصينية التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نفس حجم اقتصاد دولة مثل أستراليا، طلبت السلطات المحلية فيها من السكان أن يعتمدوا على الضوء الطبيعي للشمس في منازلهم ويقللوا استخدام مكيفات الهواء.

 

 

تأثير الطلب

 

مع الوصول للقاح أواخر العام الماضي وتراجع مستويات الخوف من فيروس كورونا ثم ارتفاع واضح في نسب التطعيم خاصة في اقتصادات مجموعة العشرين المتحكمة في أغلب النمو العالمي، بدأت الآمال تنعقد على عودة الطلب والإنفاق من قبل الأفراد والأسر، عودة الطلب تتطلب مزيداً من السلع والخدمات، عودة الطلب أيضا تعني عودة التنقل والمواصلات، وإنتاج السلع والتحرك الكثيف للسيارات يحتاج إلى وقود.

 

فجأة أصبح الجميع أفرادا وشركات ومصانع وحكومات، يطلبون مزيداً من الطاقة ومزيداً من الوقود بكافة أنواعه ومصادره، هذا تسبب في ضغط شديد على المنتجين وعمليات الاستخراج التي لا تستطيع مواكبة الطلب المفاجئ الكبير في فترة زمنية قليلة، وفي الظروف الاستثنائية مثل الظروف الحالية لن يتوقع العارض/المُنتج توقيت ارتفاع الطلب على منتجاته وكم تكون الكمية التي ستُطلب منه.

 

 

تأثير الكهرباء

 

الأمور متفاقمة للدرجة التي دفعت المؤسسات الاقتصادية والبحثية مثل "نومورا" و"فيتش" إلى تخفيض توقعات النمو الصيني لهذا العام نتيجة أزمة نقص الطاقة وانقطاعات التيار الكهربائي التي بدورها ستدفع نحو تخفيض الاستهلاك الخاص للأفراد والشركات، وبالتالي ينخفض محرك رئيسي من محركات النمو الصيني الذي يتحسس طريق ما بعد الجائحة.

 

التغيير في توقعات النمو الاقتصادي الصيني لعام 2021

"نومورا" للأبحاث

"فيتش" للتصنيف الائتماني

كانت

أصبحت

كانت

أصبحت

%8.2

%7.7

%8.4

%8.1

 

ومن ناحية أخرى تواجه المناجم والشركات العاملة في استخراج ومعالجة الفحم داخل الصين تشديد بيئة العمل الخاصة بها وتقييد الكثير من حركتها مقارنة بالسنوات السابقة بسبب التعليمات الصارمة من القيادة الصينية بضرورة تخفيف الانبعاثات والاعتماد على مصادر غير ملوثة للمناخ للحفاظ على التزامات الصين تجاه المجتمع الدولي، وهو ما رفع كثيراً من أسعار الفحم الذي يتم توريده لمحطات الكهرباء التى لا تزال تعمل بالفحم.

 

 

هل أزمة "إيفر جراند" لها علاقة؟

 

الشركة العقارية الصينية التي تسببت في هلع الأسواق الأسبوعين الماضيين وهي شركة "إيفرجراند"، ترتبط أزمتها مباشرة بالديون السيئة أو القروض الرديئة، حيث بلغت التزامات الشركة نحو 300 مليار دولار بما فيها ديون 110 مليارات دولار حتى نهاية 2020 وتجاوزت كافة عوامل السلامة المالية ولذلك وقعت في متاعب، وبحسب "بلومبرغ" فإن الديون لها علاقة مباشرة بقصة النمو الصيني فى الأربعة عشرعاماً الأخيرة، لأن هذا النمو كان معتمداً بشكل رئيسي على ثلاث محركات:

1- نقل البضائع بالقطار.


2- الكهرباء (أزمة اليوم).

 

3- الاقتراض من البنوك (أزمة الأمس).

 

 

معدلات الإقراض من البنوك الحكومية للشركات في الصين غالبا ما ستواجه تراجعاً الفترة القادمة بسبب تشديد إجراءات التسليف والاستدانة في محاولة من الجهات التنظيمية للسيطرة على كرة الثلج (الديون الرديئة والإستدانة غير الرشيدة)، لكن هذا التراجع لن يكون أمراً عادياً وستكون نتائجه وخيمة على النمو في سوقٍ اعتاد على متوسط نمو سنوي للإقراض بمقدار 12% على مدى عقود.

 

معدل إجمالي الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي فى أبرز اقتصادات العالم حتى 2021 (%)

الدولة

المعدل

اليابان

%420

فرنسا

%370

كندا

%359

بريطانيا

%309

إيطاليا

%299

الولايات المتحدة

%295

الصين

%289

*الديون تشمل الحكومة والشركات والأفراد.

 

إذن الكهرباء والاقتراض لو أصابهما عطل فإنه يعني إصابة النمو الصيني في مقتل، وبالتالي كان طبيعياً أن تقوم المؤسسات البحثية والاقتصادية بتخفيض تقديراتها المستقبلية للنمو الاقتصادي لـ"بكين" الفترة القادمة على اعتبار أن محركين من الثلاثة المحركات الرئيسية قد أصابهما عُطل بدرجة أو بأخرى.

 

أزمة أوروبا

 

انتشرت عدوى نقص الكهرباء والوقود من الصين إلى أوروبا في الأسبوع الأخير وبدأت تظهر ملامح الأزمة والطوابير أمام محطات الوقود في الوقت الذي أصبحت فيه المخزونات الأوروبية خاوية من كافة أشكال الوقود الهيدروكربوني بالتزامن مع تباطؤ في توليد الكهرباء من المصادر المتجددة التي تعتمد عليها أوروبا وعلى رأسها منصات الرياح في بحر الشمال.

 

ومثلها مثل آسيا، تعاني أوروبا من ارتفاع كبير للطلب لا يواكبه عرض أو إنتاج مكافئ فارتفعت أسعار الغاز والفحم والطاقة، ووصلت أسعار خام برنت والغاز الأمريكي إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسبع سنوات على الترتيب، وفي الصين ارتفع الفحم بـ 40% الشهر الجاري فقط.

 

 

أسعار موارد الطاقة الهيدروكربونية حتى 27 سبتمبر الجاري

مورد الطاقة

خام برنت

الغاز الطبيعي

الفحم

السعر

80 دولارا للبرميل

5.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية

185 دولارًا للطن

أعلى مستوى منذ؟

3 سنوات

7 سنوات

أعلى مستوى تاريخي

 

أسباب أخرى

 

لم يكن الطلب الكبير هو العامل الوحيد وراء أزمة الطاقة الأوروبية، ولكن يُضاف إليه وفي توقيت متزامن حدوث انخفاض لإمدادات الغاز من الأنابيب الروسية والنرويجية وتوجيه جزء من صادراتهما للسوق المحلي للتحوط مستقبلاً.

 

أما العامل الثالث والأخير فهو ضعف كفاءة تطبيق مكافحة التغير المناخي، وهو ما طرح عدة تساؤلات في الأوساط الأوروبية حول ما إذا كانت حكوماتهم قد تسرعت– بضغط من بعض جماعات الضغط والأحزاب والإعلام- في التخلي عن مصادر الطاقة الهيدروكربونية قبل إتمام الاستعدادات اللازمة لهذا التحول نحو الطاقة المتجددة.

 

عقود الغاز الطبيعي داخل الأسواق الأوروبية شهدت ارتفاعات بـ 500% منذ بداية العام الجاري فقط، وهو ليس مستغرباً في ظل حالة التخبط والإرتباك الجارية الآن، ومن المتوقع أن تشهد مزيدًا من المستويات القياسية مع الاقتراب من شهور نوفمبر وديسمبر ويناير حيث ذروة البرودة فى شمال وغرب أوروبا وكذلك بعض مناطق آسيا وكندا والولايات المتحدة أيضا.

 

 

السيناريو الأسوأ

 

ارتفاع أسعار مزيج الإنتاج الكهربائي والفحم والغاز ومشتقات الوقود لا يتسبب فقط في أزمة انقطاع التيار الكهربائي أو نقص إمداد المصانع بما تحتاجه من طاقة لخطوط إنتاجها، وإنما أيضا ينتج عنه اضطرار المنتجين إلى رفع أسعار السلع والخدمات في وقت يعاني منه الاقتصاد العالمي من الأسعار المرتفعة منذ بدايات العام الجاري، كل هذه الأزمات المتزامنة تُنذر بوقوع أزمة ركود تضخمي أو على الأقل نمو أقل من المطلوب بعد كساد 2020 مع أسعار مفرطة ومشكلة بالديون والطاقة بالتزامن مع مشكلة الشحن والإمداد، وهو ما يمكن وصفه بالسيناريو الأسوأ الذي لم يكن يتوقعه أحد أثناء التعافي من الجائحة.

 

 

المصادر: أرقام – بلومبرغ – سي إن بي سي – صندوق النقد الدولي – نومورا – فيتش.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى الدفع بـ 9 سيارات إطفاء لإخماد حريق الزرايب فى أوسيم