ثقافة وفن / تريدنت

الدكتور ياسر منجى يكتب: هل أخطأ محمود مختار أم كان أسبقَ من زمَنِه؟

  • 1/10
  • 2/10
  • 3/10
  • 4/10
  • 5/10
  • 6/10
  • 7/10
  • 8/10
  • 9/10
  • 10/10

خلال زياراتٍ متفرقاتٍ لى إلى متحف نحات مصر الأشهر محمود مختار، كنت أتوقف متأملًا بعمق فى منحوتةٍ فارهة، بمقياس الإبداع، وإن تَكُن صغيرة بمقاييس الأبعاد والأحجام، معروضةٍ إلى جوار غيرها من فرائد "مختار" فى ذلك المتحف الذى يشهد كلُّ مُقتَنَىً فيه على واحدةٍ من طفراته الإبداعية، التى أرسى من خلالها معالم الطريق فى المرحلة التأسيسية لفن النحت المصرى الحديث.

  المنحوتة معروضة متحفيًا باسم "المُناجاة"، ومؤرخة بعام 1928 – نفس عام رفع الستار عن تمثال "نهضة مصر" - وقد جَسّد "مختار" من خلالها مشهدًا لاثنين من المُحِبّين، من نَبت الريف المصرى، بَدَت فيه الحبيبةُ خَفِرَةً مُسبَلة الجفنين، تكاد تُشيحُ فى دلالٍ عن حبيبها الوالِه، مُتَّخِذَةً من غُلالة رأسِها حاجزًا يوشِكُ أن يَحجُب ملامحها عنه، غير أنه حَجبٌ أقربُ إلى الإتاحةِ منه إلى المَنع، وإشاحةٌ أشبَه بالانعطاف المُذعِنِ نحو الحبيب.

  ومن رسوخ جلستها المُطمَئنّة، انتقى "مختار" مركز الحركة القوسية لذراعها، لترتكز فيه ذراعا الحبيب المُتَبَتِّل، وقد استند إليهما برأسِه، شاخص العينين صوب الوجه المُتَحَيّر بين الاحتجاب والسُفور، يُناجى بنظراتِه الوَلهَى قَسَماتٍ ساجِيةٍ تحت غُلالتها.

  وببراعةٍ تكوينية تجاوزت حدود الأستاذية إلى براح الإبداع، يستخلص "مختار" من لفظة "العِشق"، ومن جوهر معناها، علاقاتٌ حركية وكُتَلِيّة، تتوزع وفقها أطرافُ الحبيبين فى تنويعات تعشيق وتعاشُق. فذراعا الحبيب تنسَلّان داخل كُتلة جذع الحبيبة، لترتكزا ارتكاز الرضيع المُفتَرِش حِجرَ أمّه، بينما يلتَفُّ جذعُه حانيًا حول رُكبة الحبيبة اليُسرى، لِيُطَوّقَ بساقَيه المَثنِيَّتَين أسفل ساقَيها المتقاطعتَين.

 المناجاة

 

  امتزاجٌ حانٍ، تُشَكِّله سِلسِلةٌ من انعطافات الخطوط القوسية المتصلة، المتصاعدة من قَدَمَى الحبيب، عَبر ساقَيه، فجِذعِه، لتقودنا حتمًا إلى تلك الفجوة الفراغية الضئيلة، المشحونة بالوَلَه، الفاصلة بين عينَيه العاشقتَين وعَينَيها المُسبَلَتَين على سِرٍّ باح به الخَفَر.

  وحتى يضمن "مختار" تحَقُّق هذه الانعطافات المتعاشقة، التى تَحولُ دونَها أبعادُ الجسدَين فيما لو بَقيا على مُستَوىً واحد؛ إذا هو يعمَدُ إلى إنزال مستوى ارتكاز الحبيب درجةً، تستقرُّ كالسُلَّم دون درجة مستوى جلسة الحبيبة. وبذا، ففى الوقت الذى يمثل فيه هذا التدرُّج حلًّا بَصيرًا لتحَقُّق علاقات الحركة والامتزاج، إذا به يمثّل مفتاح معنًى جديدٍ من المعانى التى تنطوى عليها هذه المنحوتة البليغة؛ إذ يصير الحبيبُ بذلك كائنًا أرضيًا، يرتقى ببصره متطلّعًا صوب محبوبٍ أرفع منه، ولو كان ذلك بفارق درجةٍ واحدةٍ فقط. على هذا النحو، لخّص "مختار" تراثًا كاملًا، من الأشعار، والأغاني، والأقاصيص، التى راجت فى زمنه، عن الحبيب الحالم بالحبيبة البعيدة المنال، على رغم قُربِها، والمُتَبَتِّل لنَجمِها القاصى فى سمائه، وإن كانت دانيةً بحضورها الجسدى على الأرض. فلو شئنا أن نفتش لقصائد "رامي" لـ"أم كلثوم" عن أيقونةٍ بصريةٍ تلخص معانى القُرب المُتَعَزِّزِ، والمَنح المُتَمَنّع، ومُناجاة الحبيب لحُلمه القَصِى القريب، فلن نجد أبلغ من صورة هذه المنحوتة غلافًا ورمزًا.

  غير أن هذه الاعتبارات الشَفيفة، بما تنطوى عليه من قِيَم جمالية، وابتكارات فى الرؤية التكوينية، ورهافةٍ فى الأسلوب والمعالجة، وتَشَعُّبٍ محبوك لتداعيات المعاني، والتى تجسدها جميعًا هذه المنحوتة الفريدة، يبدو أنها تتوارى عن أنظار بعض مَن تناولوا هذا العمل الفنى بالشرح والوصف؛ وذاك حين يشيرون إلى أن ثمة خطأ فى نحت الإصبع الكبير لقدم الحبيب اليسرى، ليظهر نحو الخارج، وكأننا نرى القدم معكوسة.

  ويبدو أن هذه الفكرة قد استقرّت لدى عددٍ ممَن تناولوا هذه المنحوتة بالوصف، على نحوٍ لم يرَ أحدهم معه دافعًا لمراجعتها؛ بُغيَة الوقوف على سببٍ آخر، قد يكون غرضًا رمزيًّا هَدَف إليه "مختار"، أو بدافع التجريب والتنقيب فى مرجعياتٍ فنية، تُسَوِّغ له الخروج على مقتضيات القواعد التشريحية الصارمة.

 التمثال

 

  والحقيقة أن مَن يطمئنون إلى فكرة (خطأ) "مختار" يُغفِلُون عددًا من الحقائق التى تدحض هذه الفكرة، وتدفعنا، مِن ثَمّ، إلى التَفَكُّر فى سببٍ أوجَه لهذا الأمر. ومن أهم هذه الحقائق:

أولًا: لقد أظهر "مختار"، من بداية دراسته لفن النحت فى مدرسة الفنون الجميلة، دراية ممتازة بتشريح الجسد البشري، ويكفى لذلك تأمُّل تمثاله النصفى البديع، الذى نحته لزميله الفنان الرائد "محمد حسن" – وهما لا يزالان بعدُ طالبَين - بما يتضمنه من دراسة تفصيلية شاملة للجذع البشري، وبما يتضمنه من عضلات وتفاصيل تشريحية دقيقة، تعبر تعبيرًا نابضًا بالحياة عن متانة بُنيان "محمد حسن"، الذى كان يمارس رياضة المصارعة حينها. وقد استشهد أستاذه الفرنسى "جيّوم لابلاني" – الذى كان يتولى نظارة مدرسة الفنون الجميلة المصرية وقتها - بهذا التمثال، فى تقريرٍ بالفرنسية تحدث فيه عن براعة "مختار" الاستثنائية فى التشريح، وعن سَبقِه لزملاء دراسته فى قوة الملاحظة وسرعة التنفيذ.

  كذلك، فإن مَن يرون أن ثمة خطأً فى منحوتة "المناجاة"، إنما يتناسون كافة منحوتات "مختار"، ونقوشه البارزة، التى ظهرت فيها تفاصيل الأقدام، كاملةً أو بأجزائها، على نحوٍ يطابق الواقع تمامًا؛ مثل: "حاملة الجرة"، و"رمز العدالة"، و"الراحة"، و"اللقيّة"، و"الخماسين"، وكذلك رمزا "الوجه البحري" و"الوجه القبلي" فى قاعدة تمثال "سعد زغلول" السكندري، و"عروس النيل"، و"نحو الحبيب"، و"إيزيس"، و"بائعة الجبن"، و"إلى النهر"، و"فلاحة ترفع المياه"، وغيرها من التماثيل والنقوش، المعروضة فى متحفه، والتى تنفى فرضية الوقوع فى مثل هذا الخطأ.

ثانيًا: مما ثبت فى سيرة "مختار"، أنه دأب على تحطيم ما لم يكن يرضى عنه من تماثيل؛ ويكفى أن نراجع ما نشره عنه معاصروه وأوائل مؤرخى فنه – ومن أبرزهم "بدر الدين أبو غازي"، و"مجد الدين حفنى ناصف" - من إشارات إلى وقائع تحطيم نماذج لم يرضَ عنها لعددٍ من مشروعات تماثيله. فلماذا لم يحطم "مختار" هذا التمثال بِدَورِه؟! هل يمكن تصوُّر أن يتراجع مثل هذا الفنان – الذى يحطم نماذجه لمجرد أنها لا توافق الفكرة التى تراوده – عن تحطيم تمثال ينطوى على خطأ تشريحى لا يستقيم مع مهارته العظيمة؟! وبخاصةٍ وأنه أنجزه فى مرحلة من مراحل ذُرى مجده، فى نفس عام رفع الستار عن "نهضة مصر"، كما سبقت الإشارة. وإذا افترضنا أنه لم يحطمه مثلًا لعدم انتباهه لهذا الخطأ، فهل يمكن أن يكون هذا الخطأ قد غاب عن ملاحظة أصدقائه وزملائه من الفنانين، المصريين والغربيين، الذين عاصروه؟! وهو الذى أُثِرَ عنه الغرام بعرض نماذجه على مُحبّى فنه وأصفيائه ونقاده؟!

ثالثًا: فى أثناء عكوفى على إنهاء هذا المقال، حدث أن شاركتُ نَصَّه المبدئى مع الدكتور "عماد أبو غازي"، وزير الثقافة المصرى الأسبق، وحفيد "مختار"، فوافانى الدكتور "عماد" ببعض الملحوظات القَيّمة، كان من أهمها أنه ذكر أن ثمّة صورة فوتوغرافية ضمن أرشيف "مختار"، يظهر فيها شكل النموذج الطينى الأوَّلى للمنحوتة، قبل إنجازها لاحقًا من الرخام. وبالاطلاع على الصورة، التى أرسلها لى الدكتور "عماد" بأريحيته المعروفة مشكورًا، تبَيَّن أن إصبع القدم فى نفس الساق اليسرى للنموذج – كما هو واضح – يتميز بانتفاخ كُتلَتِه؛ وهو ما يُبَيّن – برغم أن الصورة لاتجاه واحد من المنحوتة - أن هذه الظاهرة كانت موجودة فى النموذج المبدئى للمنحوتة، واستمرت لاحقًا بعد إنجاز النسخة الرخامية.

  ومن هنا يمكن استشفاف أن ثَمّة قصديةٍ فى استمرار وجود هذا الإصبع معكوسًا؛ لأنه بفرض حدوث الأخطاء فى النماذج الأوَّليّة للتماثيل، فمن الثابت لدى أى نحات أن مراحل المراجعة، والتحسين، والحذف والإضافة، تؤدى لانتباه النحات لمواضع الضعف والخطأ لتدارُكها.

 الطينية

 

  والجدير بالذكر أن كلًا من كتاب "مختار حياته وفنه"، الصادر عام 1949، قبل تأسيس المتحف، يتضمن صورة للمنحوتة تشير إلى كونها من البرونز، وأن هذه النسخة البرونزية الثالثة لا تزال فى باريس. كما أن الكتاب الذى أصدره كلٌّ من "بدر الدين أبو غازي" و"جابرييل بُقطُر" بالفرنسية بعنوان Mouktar Ou Le Réveil De L' Egypte، والصادر كذلك عام 1949، يتضمن كذلك صورة مشابهة بدرجة كبيرة لصورة النموذج الطيني، مشارًا إليها بكونها من البرونز، وبتغيير طفيف فى اسم المنحوتة إلى "مناجاة الحب". ويظهر فى هذه الصورة كذلك نفس ظاهرة انتفاخ كتلة الإصبع ذاته.

 

توثيق
 

 

رابعًا: إذا صح أن كافة الاعتبارات السابقة لم يكن لها أثر فى منع حدوث مثل هذا (الخطأ) التشريحي، الذى لا يغيب عن ملاحظة الإنسان العادي، ناهيك عن فنان فى قامة "مختار"! فإن هناك اعتبارًا آخر، يدعونا لإعادة النظر فى نظرية الخطأ فى هذه المنحوتة، وهو اعتبار وثيق الصلة بأهم مرجعية حضارية، كان لها أقوى أثر فى تكوين رؤية "مختار" الفنية، وفى تشكيل أسلوبه، ورسم معالم طريقته الأدائية، ألا وهى مرجعية الحضارة المصرية القديمة. وللأسف الشديد أن جميع مَن اندفعوا للاطمئنان إلى افتراض خطأ "مختار" فى تشريح القدم بهذه المنحوتة، قد غاب عنهم تمامًا هذا الاعتبار الفني/ التاريخى بالغ الأهمية.

  ويتمثل هذا الاعتبار، الذى يُلِمّ به دارسى فروع علم المصريات، فى أن الفنان المصرى القديم كان من دأبِه معالجة القدمين البشريتين، فى الأعمال الفنية ثنائية الأبعاد، كالتصاوير والنقوش الجدارية، متماثلتَين فى اتجاه تشريح الإصبع الكبير فى كلٍ منهما، وهو ما نتج عنه ظهور القدمين، فى كثرةٍ من هذه الأعمال الجدارية المسطحة، كما لو كانتا قدمين يُسرَيَين.

  وبرغم أن هذا التقليد الفنى قد اقتصر على الأعمال ثنائية الأبعاد، كما سلفت الإشارة، ولم ينتقل إلى المنحوتات ثلاثية الأبعاد، التى التزم الفنان المصرى القديم فيها باتباع التكوين الطبيعى لتشريح الجسد، فهو يظل تقليدًا له دلالته المهمة، وبخاصةٍ حين نعاود من خلاله النظر إلى منحوتة "مختار" برؤيةٍ متحررةٍ من الانطباعات المُسبَقة.

  لقد كان الفن المصرى القديم يستهدف إبراز الشكل فى سماته الأكثر جاذبية؛ وهو ما كان سببًا خلف اختيار الفنان وقتها للأوضاع الأكثر جمالًا، لتنظيم حركة الجسد وفقها، فى التصاوير والنقوش الجدارية، أو بصفةٍ عامة: فى الأعمال الفنية ثنائية الأبعاد. وحتى عهد الدولة القديمة، كانت القدمان كلاهما تُمَثَّلان بإظهار إصبع القدم الكبير، كما لو كانتا كلاهما مُشاهدَتَين من الداخل. وابتداءً من الأسرة الثامنة عشرة وما بعدها صار بالإمكان أن تُرسَم القدمان أو تُنقَشا كما لو كانتا مشاهدتَين من الخارج، لكن مع إظهار الأصابع الخمس جميعًا.

  ومن النماذج العديدة التى يظهر فيها ذلك بوضوح تام، تصوير جدارى لنجار يصنع كرسيًا، من مقبرة "رخمى رع"، وزير الملك "تحتمس الثالث"، من عهد الأسرة الثامنة عشرة؛ حيث نرى قدمَى النجار كلتَيهما وقد رُسِمَتا وكأنهما مشاهدتَين من الداخل، بحيث ظهرتا فى النهاية كما لو كانتا قدمين يُسرَيَين، وبدا إبهام كلٍ منهما قُبالة المُشاهد.

 

الفن المصرى
 

 

  كذلك فقد كان لهذا الأمر أهميته لدى الفنان المصرى القديم، فى التفريق بين أفراد الأسرة المالكة وغيرهم من العامة، فى الأعمال الفنية ثنائية الأبعاد. ففى حين كانت الأسرة الحاكمة تُصوَّر بقدم قريبة وأخرى بعيدة، كان العامة يصوَّرون بأقدام تبدو ظاهرة من الداخل، بحيث تبدو القدمان إما يُمنيَين أو يُسريَين - (لاحظ أن شخصيَّتَى الحبيب والحبيبة فى منحوتة "مختار" تمثلان اثنين من العامّة) - بينما يظهر أفراد الأسرة المالكة بقدم يسرى وأخرى يمنى، وقد مُيِّزت كلٌّ منهما بإصبع كبير.

 

  الشيء نفسه نجده فى راحات الأيدي، التى كانت تبدو قصديًا فى أوضاع تماثُل، وكأنها مُشاهدة من نفس الزاوية، بصرف النظر عن اختلافات اليمين واليسار فيها، وهو ما يظهر بوضوح فى نقش من الحجر الجيرى الملون، يمثل جزءًا من لوحة جنائزية، من مقتنيات المتحف المصرى بالقاهرة، تُعرَف باسم لوحة "أمنمحات"، وأحيانًا باسم لوحة "أنتف"، ويعود تاريخها إلى نهاية عهد الأسرة الحادية عشرة وبداية عهد الأسرة الثانية عشرة.

 

الفن المصرى القديم
 

 

  وكما يظهر بوضوح تام فى هذه اللوحة، فبالإضافة لإظهار كافة أقدام الشخوص كما لو كانت منظورًا إليها من الداخل، بحيث يبدو الإصبع الكبير نحو المُشاهد دومًا، فإن المُدَقِّق فى مشهد الأب والابن الجالسَين فى المنتصف، يجد أن الكف الأيمن للابن – وهو الشخصية الثانية من اليسار – والمتشابك مع كف الأب، يظهر وقد اتجه إبهامه للأسفل، على عكس الوضع الطبيعى للتشريح، بحيث ظهر كما لو أنه كفٌّ أيسر قد بدا ظاهرُه مقلوبًا أمام المُشاهِد.

 

  وربما يكون أشهر النماذج التى يمكن أن نلحظ فيها هذه الظاهرة، ظهر كرسى "توت عنخ آمون"؛ إذ فى الوقت الذى يظهر فيه الملك الشاب بقدمين، إحداهما يمنى والأخرى يسرى، وتظهر الاختلافات بين أصابعهما بوضوح، نرى كفيه وقد ظهرتا متماثلتين، وكأن كلًا منهما منظور إليها من خارج اليد اليسرى؛ حيث بدا إبهاميهما معكوسَين لأسفل.

 

كرسى توت عنخ آمون
كرسى توت عنخ آمون

 

  فهل كان الفنانون المصريون القدماء مخطئون بدورهم؟! وغير مدركين للأوضاع التشريحية الصحيحة للقدمين والكفين؟! وهم الذين علّموا العالم أسرار التشريح وغوامض تركيب الجسد البشري، نحتًا وتحنيطًا وطبًا؟! ألا يكون ذلك دافعًا منطقيًا للنظر إلى هذا النوع من المعالجة الاصطلاحية الفنية باعتباره تقليدًا فنيًا ينطوى على اعتبارات جمالية وفلسفية تتجاوز حَرفيّة مطابقة الواقع؟ وبالتالى يكون دافعًا لإعادة تأمل هذه الفريدة الإبداعية التى تفتقت عنها قريحة "مختار"، الوارث الرائد لخبايا الفن المصرى القديم؟

 

   إن علاقة "مختار" بمرجعية الفن المصرى القديم أوضح من أن نُعيد مناقشتها؛ إذ قد حَظِيَت بما لا يُحصى من الدراسات والتحليلات الضافية. غير أن استدعاء هذه العلاقة هنا، إنما هو من باب الإشارة إلى أمرٍ، ربما لم يَدُر فى أذهان مَن اطمأنوا إلى نظرية الخطأ التشريحى فى منحوتة "المناجاة". ويمكن توضيح هذا الأمر، ببساطة، من خلال السؤال التالي: أيُعقَل أن يكون فنانٌ فى مثل قامة "مختار"، أخذ على عاتقه إحياء القِيَم الجمالية الكامنة فى الفن المصرى القديم، لم يكن على دراية بمثل هذه الظاهرة، ظاهرة تماثُل الأقدام فى النقوش والتصاوير، وظهور إبهام الكفوف والأقدام تلقاء المُشاهد فى عكس أوضاعها الطبيعية؟!

  الإجابة بـ"لا" ستكون نفيًا لأبسط قواعد المنطق؛ إذ سنفترض بذلك أن فنانًا على شاكلته، أجال بصرَه الثاقب بدقة فيما لا يُحصى من بدائع الفن المصرى القديم، ودرسها، وحلّلها، وهضمها هضمًا، ليستخلص منها رحيق القِيَم البصرية التى تنضح بها مجموعة من أشهر أعماله، لم يكن على دراية بهذا التقليد الفنى المصرى القديم!

  والمتعمقون فى فن "مختار"، وكذا مَن أحاطوا بمُجمَل سيرته، وبطبيعة شخصيته، يعلمون علم اليقين أنه مُجَرّب من الطراز الأول، وأنه لم تكن تقف أمامه اعتبارات أو حدود فى سبيل الخلوص إلى ما يشاء من معانٍ يهدف إلى تجسيدها، وفى سبيل تجديد رؤيته باطّراد. ويكفى أن نجول فى متحفه، لنراه وقد مرّ بطائفةٍ من المراحل، ونَوَّع فى أساليب أدائه على نحوٍ لا تحده أية اعتبارات جامدة. لقد جرب "مختار" قريحته فى مجال المنحوتات الساخرة، التى ضربت أمثلةً رائعة فى سياق الكاريكاتير النحتي. كذلك فقد أنتج عددًا كبيرًا من منحوتات الصور الشخصية (البورتريه)، لبعض مشاهير معاصريه، وكذا لبعض أصفيائِه ومعارفه، وكلها آيات ناطقة بالتمكن من ناصية المعالجة الواقعية للرؤوس والوجوه. ثم إذا هو يبدع عددًا كبيرًا من التماثيل ذات الحِسّ الغنائي، التى يصعب تصنيفُها على المستوى المدرسى الحَرفي، بالمفهوم التصنيفى الغربي، غير أنها تشترك جميعًا فى انطوائها على شحناتٍ عاطفيةٍ جيّاشة، تجعل منها نماذج فنية قياسية لسَبر أغوار النفس البشرية، ومنها منحوتة "المناجاة" التى يتناولها هذا المقال. وإن كان "مختار" قد اشتهر على نحوٍ خاص، من خلال أعماله التى استلهم فيها مرجعية الفن المصرى القديم، وأشهرها على الإطلاق تمثال "نهضة مصر"، فقد مَر كذلك، فى عددٍ من منحوتاته، ومشروعات بعض نقوشه الجدارية، على تقاليد الانطباعية النحتية، على نحوٍ يَشى بإفادته من "رودان". ثم إذا هو فى بعض أعماله يتجه نحو ضربٍ خاص من الرمزية التعبيرية الصِرفة، التى بلغت أوجَها لديه فى تمثال "الخماسين"، والتى تُنبئ أنه كان بسبيله إلى الولوج فى مسارٍ أكثر تجريبًا، بل وربما تجريدًا، فيما لو كان قد قُيِّضَ له أن يُمَدَّ له فى العُمر.

  إن هذا الفيض المتوالى من التجريب والتجديد الأسلوبي، إنما يُنبئُ عن روحٍ قلقة، متمردة، طامحة دومًا لإدراك هاجسٍ إبداعيٍّ، لا يتمثل فى شيءٍ بقدر تمَثُّله فى رغبة الكشف عن جوهر المعنى فى كل فكرةٍ يعالجها، واكتشاف أبلغ قالبٍ بصرى يمكن من خلاله تجسيدُها جماليًا ورمزيًا على السواء.

  وفى تقديرى أن "مختارًا" أراد فى منحوتة "المناجاة" أن يجسد نموذجًا رمزيًا لجوهر فكرة الصلة الشفافة بين الرجل والمرأة - وهى فكرةٌ طالما عولِجَت فى أعمال الفن المصرى القديم - والتى تصل بهما إلى درجة التماهى الكامل، والامتزاج الأَسمى. وقد أراد، فى الآنِ نفسِه، أن يُفيدَ من تقاليد الفن المصرى القديم، لصياغة شفرةٍ رمزيةٍ عميقة الدلالة، حتى ولو كانت صادمةً للوهلة الأولى للعين الاعتيادية. فهو إذن يهدف إلى إبداع (شفرة رمزية)، وليس إلى تقديم (نموذج تشريحي) مطابق للواقع؛ بعد أن أثبت جدارته فى هذا السياق فى عشرات النماذج السابقة.

  وإذا ما تركنا جانبًا أثر مرجعية الفن المصرى القديم على "مختار"، لوجدنا أن اختلاط الأعضاء البشرية، وتغَيُّر مواضعها وأشكالها، فى كثرةٍ من أعمال مشاهير الفنانين العالميين، لم يكن بالأمر المجهول لديه – وهو الذى عاش حياةً كاملة فى باريس، وانصهر فى غمار المجتمع الفنى الفرنسى - إذ يكفينا أن نشير فقط إلى ما أتاحته "التكعيبية"، و"السريالية"، و"التعبيرية" قبلهما، من إمكانية تَقَبُّل لهذه التحويرات فى أعمالٍ عالمية شهيرة، مع اختلافات فى درجة التحوير وفى أساليب الأداء.

  وتفسيرى لهذا الأمر ينطلق من ملحوظة مهمة يجب أن نتوقف إزاءها طويلًا بالتأمل فى منحوتة "المُناجاة"؛ وهى أن "مختارًا" قد انتقى الجانب الأيسر من جسد الحبيبة، حيث القلب الخافق، ليرتكز الحبيبُ بذراعيه، وليُحيطَ بجسده ساقها اليُسرى، باثًّا نجوى غرامه صوب أذنها اليُسرى. باختصار هو ينسَلُّ إليها من شِقّها العاطفي، ومن تلقاء جانبها الفيّاض بالحِسّ.

  وفى الآن نفسِه، فإن ما يظهر قُبالتنا من جسد الحبيب إنما هو شِقُّه الأيسر كذلك، والذى يمثل فيه إبهام القدم – المعكوس –مُنطَلَق الحركة الحانية بأسرِها، المتصاعدة فى أقواسها المتوالية، المتعاشقة فى أطراف الحبيبة، وصولًا لذروة المناجاة بالعينين.

  هنا يتخذ الجانب الأيسر أهميته الكبرى لدى الحبيبين، بما يستلزم أن يكون كل جزءٍ فيه مُتَرجمًا عن هذه الشبكة المحبوكة من العلاقات البصرية/ الوجدانية، وهو ما يُسَوِّغ تصوُّر أن "مختارًا" قد استدعى من المُعجَم البصرى لمصر القديمة تلك القاعدة، التى تستهدف إبراز الشكل فى سماته الأكثر جاذبية، فى الأعمال الفنية ثنائية الأبعاد، والتى كان إبهام القدمين دومًا يظهر وفقًا لها تلقاء المُشاهد. من هنا صارت القدم اليُسرى للحبيب، منظورًا إليها من باطنها، على غرار سوالفها ثنائية الأبعاد فى مصر القديمة، ليكون مُنطَلَق الحركة الصاعدة مرتكزًا على أقوى إصبعٍ من أصابع القدمين، وأكثرها اتّساقًا مع قاعدة انتقاء أكثر أجزاء الجسد جمالًا وفق المنطق المصرى القديم.

 

التمثال المناجاة
 

 

  فإذا ما تركنا جانبًا هذا العامل الشكلي، تَجَلّى عاملٌ آخر، مرتبطٌ بالقاعدة نفسها، ربما يكون أكثر أهمية منه، وهو مسألة (القدم اليسرى) فى حد ذاتها، وما لها من دلالات روحية ورمزية، دارت حولها بعض تفسيرات بعض المؤرخين والباحثين فى علوم المصريات.

 

  فالمُلاحظ فى المنحوتات المصرية القديمة ثلاثية الأبعاد، أن الرجال يبدون دومًا وقد خطوا للأمام بأقدامهم اليُسرى، بينما تظهر النساء بأقدام ملتصقة، باستثناء نماذج نادرة تتقدم فيها القدم اليسرى للمرأة للأمام.

  وقد تعددت التفسيرات لهذه الظاهرة، على نحوٍ قد يخرج عن نطاق هذا المقال – بل إن بعضها لا تتعدى كونها تفسيرات شكلية وتقنية تكاد تكون غير مقنعة، كما أن بعضها يذهب إلى أن ذلك يرجع إلى ظاهرة فسيولوجية طبيعية، تتعلق ببدء الإنسان حركته عادةً بتقديم الساق اليسرى؛ وهو ما يدعونا للتساؤل: فلماذا لم يعمم المصرى القديم ذلك على منحوتات الرجال والنساء؟ - غير أن التفسير الذى نرى أهميته فى هذا السياق، هو ذلك الذى يفترض أن القدم اليسرى، لما كانت تنتمى لجانب الجسد المحتوى على القلب، فإن تقدمها فى الخَطو - فضلًا عن الإيحاء بالحيوية النفسية – يتضمن إشارةً إلى الجانب الروحاني، أو الأُخرَوى للشخوص. ومما يعزز هذه الفرضية، أنه قد جرت العادة فى عهد الدولة القديمة، أن يكون باب الزوجة فى الجهة اليسرى من مصاطب الدفن العائلية.

  ومن أبدع التماثيل التى تقترن فيها ظاهرة تقدم الساق اليسرى، بظاهرة التحام الحبيبين، الزوج والزوجة، وتعاشقهما على نحوٍ يدعو للتأمل: تمثال الملك "منكاورع" وزوجته الملكة "خاميرينبتي"، وهو من مقتنيات متحف "بوسطن" للفنون الجميلة.

 

ملوك
 

 

  فبخلاف التقدم المألوف لقدم الملك اليُسرى، نلمح واحدًا من الاستثناءات النادرة التى تتقدم فيها ساق المرأة فى المنحوتات المصرية القديمة.

 

  وفى الوقت الذى تلتَفُّ فيه ذراع الملكة اليُمنى لشَدّ أزر ملكها المحبوب، إذا باليُسرى تشد عضُدَه، ليكتمل تعاشق الزوجين الحبيبين، على رغم خطواتهما الرسمية الرصينة.

  ربما يمكن بذلك أن يستَبينَ أمرٌ طالما غاب بدوره عن الكتابات التى تناولت عملًا آخر، أكثر شهرة، لـ"مختار"، وهو تمثال "سعد زغلول" بالإسكندرية. إذ لم يَرِد فى هذه الكتابات ما يفسر دلالة تقدُّم الساق اليسرى لـ"سعد" فى هذا التمثال، وكذا يده اليسرى، وهو التقدم الذى سبق وأن أثار استنكار الدكتور "زكى مبارك"، الذى ذهب فى مقالٍ له إلى القول بأن" "التمثال نفسه سيء التعبير فى أكثر نواحيه، فعزيمة سعد باشا تتمثل فى يده الشمال، وقد أُرخِيَت يمناه بصورةٍ لا تليق". وقد سبق وأن تناولتُ نص استنكار "زكى مبارك" ذاك فى مقالٍ سابق، بعنوان "زكى مبارك" ينتَقِد "محمود مختار" بسبب "سعد زغلول"، نُشِر فى أغسطس من عام 2016.

  فـ"مختار"، ببساطة، ومن خلال هذه الحركة البسيطة، التى خَفِيَت دلالتُها على كثيرين، استعاد من خلال شخصية "سعد زغلول" ذلك التقليد النحتى المصرى القديم، الذى طالما ظهر فيه تقدم الساق اليسرى للرجال، وبخاصةٍ فى تماثيل الممتازين من الملوك والقادة والكهنة. باختصار، لقد تماهى "سعد"، بحركةٍ واحدة فى تاريخ مصر القديمة كلها، مستعيدًا أمجاد أسلافه، ومُنبِئًا عن كونه وريثًا شرعيًا لهم فى المُنافَحة عن القضية المصرية، مُقّدّمًا شِقّه الأيسر، شِقّ القلب، والروح، وعزم الإرادة.

 

سعد زغلول
 

  أحسَبُ الآن، بعد ما سلف من شواهد وإشارات، أننا بحاجةٍ لإعادة رؤية هذه المنحوتة البديعة، منحوتة "المُناجاة"، التى غُبِنَت كثيرًا بسبب عدم الانتباه للاعتبارات المتقدم تفصيلُها، وأن نطرح على أنفسنا سؤالًا نسعى للإجابة عليه بحيادٍ وبعقلٍ متحررٍ من القَناعات الجاهزة: هل كان "مختار" يهدف لإحياء تقليد فنى مصرى غابر؟ وتطبيق فلسفة فنية تستهدف الجوهر ولو على حساب المظهر؟ أو بالأحرى: هل كان "مختار" أعمقَ من استيعاب معاصريه؟ ومن توقعات الذائقة التقليدية المُطمئنة للمعتاد؟


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا